غسان سلهب يستحضر «أشباح بيروت» وكوابيسها!
يُعرض «أشباح بيروت» اليوم الجمعة (الساعة الثامنة مساء)، في سينما «متروبوليس» ضمن الدورة الثانية من مهرجان «اللقاء الثاني» المكرّس للأرشيف السينمائي وممارساته


لا يكتفي غسان سلهب بإعادة النظر في المواضيع اللبنانية المألوفة كالمنفى والدمار والذاكرة والأمل والوهم والحرب، بل يُعيد إحياءها.
سينماه تنبش في الذاكرة، لا بوصفها أرشيفاً، بل كجرح نابض، وتحوّل الآلام الفردية والجماعية إلى كائن حي يتجوّل في شوارع بيروت وأبنيتها. منذ فيلمه الأول «أشباح بيروت» (1998)، مشى في أرض لم يجرؤ أحد على دخولها، مستنقع مُتعفّن لحرب ترفض إعلان نهايتها. إنه ليس الماضي، بل حاضرٌ معلّق، حالة لا تنتهي من التداعيات.
يحوّل سلهب هذا الشلل إلى سينما، مضطربة، وواضحة بشكل مقلق، تُجبر المشاهدين على مواجهة حقيقة أنّ الحرب لم تنته أبداً، بل إنّ الأمر مجرد وقفة في قصة لا تزال تطارد كلّ مشهد من مشاهد الحياة اللبنانية.
في «أشباح بيروت»، استحضر سلهب مدينة موجودة بين الخراب والحلم في آن، فأصبح لبيروت حضور شبحي، محسوس، مُرثى له، وشعبها متصدّع وصامد كالمباني التي تحمل ندوبها.
يعود خليل (عوني قواس) للظهور في بيروت بعدما دبّر موته قبل نحو عشر سنوات. عودته ليست عودة إلى الوطن بقدر ما هي اضطراب في توازن المدينة الهش. بدلاً من الفرح، يستقبله رفاقه وأصدقاؤه السابقون بمزيج متقلب من الشك والقلق ونوع من الذعر الوجودي. شريكته السابقة (دارينا الجندي) تنفر من النظرة الأولى، مذهولة من الشبح الواقف أمامها. يجبرها «إحياء» خليل، كما يجبر جميع من عرفهم (ربيع مروة، كارول عبود، حسن فرحات)، على الدخول في دوامة زمنية لا إرادية.
عقد كامل من الصدمات المتراكمة تطفو على السطح بمجرد ظهور هذا الشبح. حوّل خليل كلّ لقاء بمنزلة حساب، وتذكير بأن الماضي في بيروت لا يمضي أبداً، بل ينتظر اللحظة المناسبة ليفرض نفسه من جديد. قد تكون الحرب قد بدأت تخف حدتها، لكن بيروت لا تزال تهتزّ، روتينها اليومي يخترقه إطلاق النار والرصاص الطائش ودويّ الانفجارات المتقطعة.
الحياة الطبيعية مجرد شائعة، نبض المدينة لا يزال مضطرباً. لا يُضفي سلهب طابعاً غريباً على هذه الحالة، يدرك بأنّ هذا هو الوضع الطبيعي للمدينة. ويُذكّرنا بأن جراح المدينة ليست مجرد تجريدات أو دراما مكتوبة للشاشة، بل تاريخ مُعاش ومُجسّد.
لذلك، يُضفي سلهب ببراعة على الفيلم شذرات من حوارات صادقة مع الممثلين. لحظات تبدو أقرب إلى زفير عفوي من الذكريات منها إلى مقابلات، ما يطمس الخط الفاصل بين الأداء والاعتراف. لا تُثري المقابلات المصوّرة القصيرة المُقحمة في السرد أصالة الفيلم فحسب، بل تُفتّتها، مُعيدة صياغة العمل الروائي كأرشيف مؤلم لصدمات معاشة. يصبح كلّ ممثل شاهداً وشبحاً في آن يتأرجح بين الدور الذي يؤديه والذكرى الشخصية التي يسردها.
يكمن جوهر الفيلم في المساحات الضيقة المحاصرة المخادعة. يتلاعب غسان سلهب بصوره وأصواته كما لو كان يدير جلسة استحضار أرواح، مرشداً إيانا عبر بيروت الغارقة في وهج غريب وضوء بني لا يشبه الضوء الطبيعي.
وضمن هذه اللوحة الطيفية، يُنسّق لقاءات لا يُفترض أن تتعايش، لكنها تتعايش بطريقة ما. ثم يأتي بالموسيقى والصوت. طبقات مذهلة مستحيلة تعكس نغمات بيروت المتصدعة، نسيج مدينة لطالما كانت أصواتها غير متناغمة.
مع الوقت، يكشف «أشباح بيروت» عن طبيعته الحقيقية، فهو كما غسان سلهب يرفض التظاهر بالبراءة. بالنسبة إلى سلهب، البراءة وهم، سواء كانت جمالية أو سياسية أو أخلاقية. لذلك يُعد الفيلم موقفاً أخلاقياً ضد غضّ النظر، ووسيلة لكشف هشاشة أي رواية «رسمية» عن الحرب.
* «أشباح بيروت»: س:20:00 مساء اليوم ــ سينما «متروبوليس» (مار مخايل ـ بيروت) ـ للاستعلام: 81/069530
